تناحر البعثيين

التناحر الجديد بين البعثيين يكرس عقدة وعقيدة الانقسام والتمزق في الحزب الذي فشل بالتوحد
الأخبار المتواترة عن وفاة أو اختفاء أو بقاء نائب صدام السابق عزة الدوري أضحت شبيهة بالروايات البوليسية بجوانبها الخيالية المغرقة في عوالم الغموض , خصوصا بعد التشكيك الأخير لجماعة المنشق والقيادي البعثي السابق المقيم في دمشق تحت حماية المخابرات السورية محمد يونس الأحمد بالخطاب الصوتي الأخير لنائب الرئيس السابق عزة الدوري الذي يلف الغموض تحركاته في العراق, وهي تحركات حيرت السلطة العراقية, وحيرت معها الجانب الأميركي أيضا وحيث استطاع الدوري طيلة سبعة أعوام كاملة التخلص من المطاردة الأميركية والحكومية, بل والعمل الميداني المباشر على إعادة النشاط لحزب البعث عبر تجميع خلاياه لدرجة التمكن من عقد مؤتمر قطري استثنائي في قرية مخمور في شمال العراق, وبدعم وحماية واضحة ومعروفة من أهم الجماعات الصوفية في الشمال العراقي وهي "جماعة النقشبندية", بذراعها العسكرية ( جيش الطريقة النقشبندية), والذي تبنى مسؤولية مواجهات ميدانية سابقة مع السلطة العراقية والجيش الأميركي أيضا.
مسألة بقاء أو إنقراض عزة الدوري قد أضحت اليوم واحدة من أهم القضايا الخلافية التي تشغل البعثيين المنشقين على ذاتهم والباحثين عن طريق للعودة الى السلطة في ظل معادلات متغايرة ورؤى متناقضة وغامضة غموض المستقبل العراقي, جماعة يونس الأحمد وهم يعلنون وفاة عزة الدوري سريريا لا يمتلكون الأدلة على ما يقولون سوى عبر التشكيك بخطاب صوتي انتشر في يوليو الماضي, ورد فيه اسم أحد البعثيين الهاربين لصنعاء وهو صلاح المختار, كما وردت فيه للمرة الاولى في تاريخ حزب البعث إشادة بقيادي بعثي سابق هو صلاح عمر العلي الموجود حاليا في العراق والذي عمل سابقا ضمن جماعات المعارضة العراقية من بريطانيا اعتبارا من عام 1990, وكانت قد راجت قبل اشهر قليلة أحاديث وروايات عن الاتفاق على تحقيق وحدة بعثية عن طريق عقد مؤتمر قطري استثنائي برعاية سورية يتوحد خلالها الحزب ويعاد تنظيمه على أسس جديدة تتناسب والمرحلة الجديدة, إلا أن ذلك لم يحصل رغم أن النظام السوري قد وضع ثقله في هذا الجانب, خصوصا وإن النائب الموقت لأمين سر قطر الحزب في العراق ( جماعة الدوري ) وهوالدكتور أبومحمد النجدي هو من المقربين جدا للرئيس السوري بشار الأسد, بل انه اصطحبه معه وضمه للوفد السوري الذي قام بزيارة لتركيا في الآونة الأخيرة. والدكتور أبو محمد النجدي هو واحد من أشد الشخصيات غموضا من الناحية الإعلامية في حزب البعث العراقي, رغم كونه تقلد مناصب قيادية عديدة سابقة أهمها أنه كان منذ عام 1969 وحتى عام 1990 السكرتير الحزبي الخاص لصدام حسين! كما كان من قياديي مكتب "الأمن القومي" وهو أعلى سلطة استخبارية وسرية في الحزب! ومارس أدوارا في غاية الأهمية على صعيد تنفيذ المشروع النووي العراقي عبر علاقاته الواسعة جدا مع القيادات الحكومية الفرنسية! وقد ظل الدكتور أبومحمد غائبا عن وسائل الإعلام بالمطلق, وهو غير معروف للعديد من البعثيين, وقد أبعد عن الحزب والقيادة بعد عملية غزو الكويت وتعرض للسجن حتى تمكن عزة الدوري من إقناع صدام حسين بالعفو عنه بعد عام من الاعتقال ثم إبتعد بالكامل عن أي نشاط سياسي, ولم يعد لممارسة النشاط إلا بعد الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003 وبعد أن تهشم حزب السلطة بالكامل وأعيد بناء الحزب على أنقاض المتهدم, وهناك سر لا يعلمه الكثيرون نعلنه للمرة الاولى يتعلق بدور الدكتور أبومحمد النجدي في حماية أسرة صدام حسين, والتمكن من إقناع الحكومة القطرية بتوفير اللجوء السياسي لزوجة صدام حسين ساجدة خير الله طلفاح وبناتها في دولة قطر, وبوساطة فاعلة من قيادات مقربة جدا لزعيم "حزب الله" اللبناني السيد حسن نصر الله! قد تبدو الخلطة غريبة وغير متجانسة! ولكن هكذا هو واقع الملفات والتحالفات في الشرق القديم! وتلك قضية أخرى سنعود لتفاصيلها فيما بعد.                             
والتناحر البعثي الجديد يأتي ليكرس عقدة وعقيدة الانقسام والتمزق في حزب البعث الذي لم ينجح قط في تحقيق أهدافه الوحدوية القومية أبدا, بل لم ينجح في توحيد شقيه ( العراقي والسوري ) طيلة عقود طويلة منذ عام 1966 وحتى عام 2003, ثم عاد الفرع العراقي للانقسام بالطريقة التي نشهدها حاليا في ظل إصرار جميع الفرقاء على مواقفهم السابقة, وبما يؤكد أن لا طريق واضح ابدا أمام أي عملية توحيد للحزب, الذي رغم كل شيء, يمتلك واحدا من اهم أجهزة الاستخبارات والاستطلاع في العراق بسبب تواجد الخلايا البعثية السرية في عمق الأحزاب والجماعات السياسية الموجودة في العراق والحليفة لطهران, ولعلي لا أكشف سرا حين أقول إن العيون البعثية موجودة في أعلى الهرم التنظيمي لقيادات "المجلس الأعلى" ولحزب" الدعوة" أيضا من دون أن ننسى حزب الفضيلة وليس كل ما يعرف يقال! المهم ان معركة المصير البعثي الواحد لم تحسم بعد وكل ما نراه هو رتوش خارجية لملفات إدارة صراع ومعارك شرسة تدور خلف الكواليس وبعيدا عن أعين الجماهير, ليظل البعث امينا لتراثه في كونه المنظمة السرية ألاكثر غموضا في تاريخ العراق والعالم  العربي .
لا وحدة قريبة لتجميع شظايا البعث, ولكن للبعثيين مفاجآت قد لا تخطر على بال.
                                                  داود البصري

 


عدد الزوار
  • عدد الزوار
    مواقع صديقة