عمر (2)

 

 هذه هي أسس الحقد الدفين:

من أهم الخلافات بين السنة ومجوس التشيع هي نظرة مجوس التشيع للقرآن.

يؤمن مجوس التشيع بأن القرآن المتداول بين أيدينا قد أصابه نقص.. وقد وضع القوم منذ نهاية القرن الثالث الهجري إلى الآن آلاف الروايات والكتب التي تدل على وجهة نظرهم([17]) وحتى إمامهم الخميني أشار إلى ما يؤمن به القوم من مصحف فاطمة في كتابه كشف الأسرار... أما في رسالته "التعادل والتراجيح" فيقول "ولعل القرآن الذي جمعه "يقصد الإمام علي" وأراد تبليغه على الناس بعد رسول الله هو القرآن الكريم مع جميع الخصوصيات الدخيلة في فهمه المضبوطة عنده بتعليم رسول الله وبالحملة أن رسول الله وإن بلغ الأحكام وضبط جميعها كتاباً وسنة هو أمير المؤمنين عليه السلام في حين فات القوم "يقصد الصحابة" الكثير منها لقلة اهتمامهم بذلك!!"([18]) .

إن الإحاديث التي تدل على رأي القوم كثيرة لكنا على سبيل المثال لا الحصر سوف نذكر منها ما رواه "الطبرسي" في كتابه "الاحتجاج" وفيه يقول: "وفي رواية أبي ذر إنه لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع عليّ القرآن وجاء به إلى المهاجرين والأنصار وعرضه عليهم لما قد أوصاه بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما فتحه أبو بكر خرج في أول صفحة فتحها فضائح القوم.. فوثب عمر فقال: يا علي.. إردده فلا حاجة لنا فيه!! فأخذه علي بن أبي طالب عليه السلام وانصرف.. ثم أحضر زيد بن ثابت وكان قارئاً للقرآن فقال له عمر: إن علياً جاءنا بالقرآن وفيه فضائح المهاجرين والأنصار!!.. وقد رأينا أن نؤلف القرآن ونسقط منه ما كان فيه من فضيحة وهتك للمهاجرين والأنصار.. فأجابه زيد إلى ذلك!!.. ثم قال: فإن أنا فرغت من القرآن على ما سألتم واظهر عليّ القرآن الذي ألفه.. أليس قد بطل كل ما عملتم؟! قال عمر: فما الحيلة؟ .. قال زيد أنتم أعلم بالحيلة.. فقال عمر: ما حيلة دون أن نقتله ونستريح منه.. فدبر في قتله على يد خالد بن الوليد فلم يقدر على ذلك.. فلما استخلف عمر سأل علياً أن يرفع إليهم القرآن فيحرفوه فيما بينهم فقال عمر: يا أبا الحسن.. إن جئت بالقرآن الذي كنت جئت به إلى أبي بكر حتى نجتمع عليه.. فقال: هيهات.. ليس إلى ذلك سبيل إنما جئت به إلى أبي بكر لتقوم الحجة عليكم ولا تقولوا يوم القيامة ((إنا كنا عن هذا غافلين)).. أو تقولوا ما جئتنا به.. إن القرآن الذي عندي لا يمسه إلا المطهرون والأوصياء من ولدي. فقال عمر: فهل وقت لإظهاره معلوم؟!

فقال عليه السلام: نعم إذا قام القائم من ولدي يظهره ويحمل الناس عليه!!"([19]) .

.... وأخرى....

السيد / نعمة الله الحسيني يقول في كتابه "الأنوار": "قد استفاض في الأخبار أن القرآن كما أنزل لم يؤلفه إلا أمير المؤمنين"([20]) .

ومثل تلك الآراء كثير وكثير عند مجوس التشيع .. وهذا رأي هؤلاء الكذابين ونظرتهم إلى القرآن الكريم المتداول بين الناس منذ أيام عثمان شهيد القرآن إلى يومنا هذا.

ونسي مراجع مجوس التشيع قول المولى عز وجل:

((إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)).

((إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه)).

((لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد)).

أولا يمثل رأي مجوس التشيع وعلمائهم  نقصاً في قدرة المولى عز وجل؟! ثم كيف يبرر مجوس التشيع موقف الإمام علي من الخلفاء الراشدين إذا كانوا كما شبههم؟! ومن أي قرآن كان يقرأ علي في أيام خلافته؟! ألم يكن يقرأ من نفس القرآن الذي بين أيدينا اليوم والذي كان يقرأه أبو بكر وعمر وعثمان ؟

إن عدم الإيمان بحفظ القرآن يجر إلى إنكاره ومن ثم تعطيل الشريعة كلها.

فالإيمان الكامل لا يكون إلا باليقين بالقرآن... ويبدو أن هذا هدف القوم.

تباً للمشككين الوضاعين الكذبة.

 وهل كان الفاروق إلا رحيماً بالرعية:

من المعروف عن الفاروق شدته في أداء الحقوق.. وخشونته في مظهره.. على أن المدقق المحقق يجزم إن ذلك إلا الإطار الخارجي لشخصية الفاروق عمر.. فقد كان الرجل عاطفة فياضة من الحسن والرحمة والعطف والرقة على رعيته ، ولن يقدر ذلك مثل رعية عمر أنفسهم فقد أضفوا عليه جميعاً من الحب والاعجاب والتقدير ما اطمأنت إليه أنفسنا في تقييمنا لهذه الشخصية الفذة التي لا تتكرر.. تلك الشخصية السوية التي ملكت القوة والعدل في كفة... والرحمة والعطف في كفة أخرى فوازنت وتوازنت على المنهاج الشرعي القويم فهي العبقرية الفذة.. والأداء المثالي.

سأل الفاروق الفاروق عن رجل كان يعرفه.. فقيل له إنه يتابع الشراب فكتب إليه: "إني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو... غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب... ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير".

فلم يزل الرجل يرددها ويبكي حتى صحت توبته.

وعندما بلغ عمر ذلك قال لأصحابه: "هكذا.. فاصنعوا إذا رأيتم أخاً لكم زل فسددوه ووفقوه.. وادعوا الله أن يتوب عليه ولا تكونوا أعواناً للشيطان عليه".

كما أن عمر كان أول من حمل الدرّة وأدب بها.. فهو أيضاً أول من درأ الحد بالضرورة.. فقد تكرر منه إعفاء الزانيات من الحد لشبهة القهر والعجز عن المقاومة... كما درأ الحد في وقت الشدة مثل عام الرمادة وغيرها.

رأى عمر ذات يوم شيخاً يهودياً يسأل عند الباب.. فقال له: ما ألجأك إلي هذا؟ قال: أسأل الجزية والحاجة والسن. فأخذ عمر بيده وأعطاه من بيته ما يكفيه وأمر بإعطائه من بيت المال ورفع الجزية عنه وعن أمثاله.. وهكذا شملت رحمة عمر حتى من خالفه في الدين.

رأى عمر رجلاً يحمل حملاً ما لا يطيق.. فأخذته الرحمة بالحيوان.. وعاقب الرجل لقسوته على الحيوان.. بل كان وهو أمير المؤمنين يدخل يده في جرح البعير ويداويه ويقول: إني لخائف أن أسأل عما بك!!.

.. لم تقف رحمة عمر عند حد... ولم يحدها دين ولا جنس... بل امتدت فشملت كل مظهر من مظاهر الضعف الإنساني.. بل وحتى الحيواني.. كانت رحمة عمر تنبع من قلب كبير وروح عظيمة فطرت على حب الخير والشعور بالمسؤولية.. كان قوياً في نفسه.. أمينا على رعيته.. نقياً في معدنه.. ورعاً في دينه عادلاً بين شعبه... أمينا لحقوقهم.. غيوراً على مصالحهم.. وفياً لأماناتهم شجاعاً متواضعاً كريماً عزيزاً.. كان رحمة الله... "نسيج وحده".

 

أساس فكر مجوس  التشيع:

يقوم فكر مجوس التشيع منذ نهاية القرن الثاني الهجري على فلسفة أن الخلفاء الأول قد ارتدوا عن الإسلام عندما نازعوا علياً أمر الإمامة؟! وقد أثر ذلك المنطلق الأساسي العقائدي للقوم على نظرتهم لخلفاء رسول الله البررة فكانت نظرتهم إليهم من خلال منظار أسود كسته الكراهية حمقاً وعفونة.. فلم يرى القوم في كل تاريخ الخلفاء إلا كل سوء... وتفنن القوم في التأويل والتحوير ونسج الروايات والأساطير بما يناسب حالتهم وشعورهم وجعلوا من تلك النظرة مسألة إيمانية بحتة يجب على الشيعة أن يؤمنوا بها إيماناً أعمى... ونظرة سريعة إلى "الزيارات" التي يقرأها القوم على مقابر أئمتهم يوضح كل شيء...

من الطبيعي أن يتوازى منهاج الشيعة مع عظمة الشخصية التي يتناولونها.. لذا.. فقد نال منهم عمر بن الخطاب الحظ الأوفى.. فبذل القوم جهداً كبيراً في محاولة تلطيخ سيرته وتاريخه وأعماله. ولهم في ذلك أكاذيب كثيرة مثل :

يقول العياشي في تفسيره: "لما قبض نبي الله صلى الله عليه وسلم كان الذي كان لما قد قضى من الاختلاف .. وعمد عمر فبايع أبا بكر ولم يدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد.. فلما رأى ذلك عليّ عليه السلام ورأى الناس وقد بايعوا أبا بكر خشى أن يفتتن الناس ففرغ إلى كتاب الله وأخذ يجمعه في مصحف.. فأرسل أبو بكر إليه أن تعال فبايع.. فقال علي: لا أخرج حتى أجمع القرآن. فأرسل إليه مرة أخرى فقال: لا أخرج حتى أفرغ.. فأرسل إليه الثالثة ابن عم له يقال له قنفذ.. فقامت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تحول بينه وبين عليّ عليه السلام فضربها!! فانطلق قنفذ وليس معه عليّ!! فخشي أن يجمع عليّ الناس فأمر بحطب فجعل حوالي بيته.. ثم انطلق عمر بنار فأراد أن يحرق على عليّ بيته وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم. فلما رأى عليّ ذلك خرج فبايع كارهاً غير طائع"([21]) .. فأين عليّ أسد بني هاشم الشجاع المقدام وسط الأهازيج والأكاذيب هذه؟!...

أو ليس هذا هو الإمام الذي ادعى عليه القوم أنفسهم فقالو: كان علياً من القوة حتى أن علياً ركض يوماً فتزلزلت الأرض!!"([22]) وهو أيضاً الإمام الذي كذب عليه "الصافي" فقال: "إن الأرض تزلزلت يوماً فركضها حتى سكنت!!"([23]) وهو من روى عنه ابن بابويه أنه: "قد صرع إبليس يوماً بقوته الجبارة"([24]) .. فكيف يقبل هذا مع ذلك؟!

تباً للكذابين المغترين الوضاعين.. ونحن لهم بالمرصاد إلى آخر رمق.

العياشي بذكر في تفسير سورة براءة فيقول: ... عن أبي حمزة المثالي إنه قال: "قلت للإمام: ومن أعداء الله؟!. قال: الأوثان الأربعة. قال: قلت: ومن هم؟. قال: أبو الفصيل ورمع ونعثل ومعاوية.. ومن دان بدينهم... فمن عادى هؤلاء فقد عادى أعداء الله"([25]) فهذه هي المحصلة النهائية... ومرمى مجوس التشيع هو هدم الإسلام وكسر أعلامه وتاريخه.

هذا رغم أن الآتي من أحاديث أئمة القوم "المعصومين في عرفهم": يقول الإمام محمد الباقر – الإمام الخامس المعصوم عند القوم – في جواب من سأله: هل ظلماًكما من حقكم شيء؟!.. يقول: لا والذي أنزل القرآن على عبده ليكون للعالمين نذيراً.. ما ظلمانا من حقاً حبة خردل"([26]) وشهد إمام من أئمتهم.

وقال الإمام في الشيخين: "وكان أفضلهم في الإسلام كما زعمت وأصحهم لله ورسوله الخليفة الصديق والخليفة الفاروق. ولعمري أن مكانهما في الإسلام لعظيم وأن المصاب بهما لجرح في الإسلام شديد.. رحمهما الله وجزاهما بأحسن ما عملا"([27]) ... فهذه نظرة آل البيت الكرام.. وتلك نظرة مجوس التشيع اللئام وصدق الإمام الصادق جعفر ابن الباقر عندما قال:

"لقد أمسينا وما أحد أعدى لنا مما ينتحل مودتنا"([28]) .

 إيمان كالجبال:

كان عمر بن الخطاب في منهاجه كخليفة للمسلمين نموذجاً يحتدى به في الفهم والعلم والإيمان فشا الطاعون. وعمر في طريقه إلى الشام... فلقيه أبو عبيدة وأصحابه عند تبوك.. وأخبروه خبر الطاعون.. فاستشار المهاجرين والأنصار فاختلفوا بين ناصح بالمضي وناصح بالقفول.. ناصح بالمضي في طريقه يقول: إنه خرج لأمر ولا يرى له أن يرجع عنه.. وناصح بالقفول يقول إنه بغية الناس وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يرى أن يقدمهم على وباء.. ثم إنه دعا مشيخة قريش من مهاجرة الفتح فلم يختلف عليه رجلان وأشاروا جميعاً بالرجوع.

قال أبو عبيدة: افرار من قدر الله؟!

قال عمر: نعم.. نفر من قدر الله إلى قدر الله... أرأيت إن كان لك إبل هبطت وادياً له عدوتان... إحداهما خصبة.. والأخرى جدبة.. أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله.. وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟!... وما رام مكانة حتى جاءه عبد الرحمن بن عوف فحسم الخلاف برأي النبي في الخروج من أرض الطاعون والقدوم إليها حيث قال صلى الله عليه وسلم: "إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها".

كان إيمان عمر إيمان العلم والفهم.. كان إيماناً بصيراً يأخذ بالحيطة ويلم بالأسباب.. ويعلو بالعمل.

أما إيمان مجوس التشيع.. فهو آيمان الكذب والحقد والنفاق.!!

في كافيهم.. يكذبون على عليّ بن أبي طالب إنه قال: "لقد أعطيت خصالاً لم يعطهن أحد قبل –وحتى الأنبياء- علمت المنايا والبلايا والأنساب وفصل الخطاب فلم يفتني ما سبقني ولم يعزب عني ما غاب عني"([29]) .

هذا... والمولى عز وجل يقول في محكم تنزيله: ((لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله)).

وقال المولى على لسان عيسى معجزة الله: ((تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب)).

وقال على لسان خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم: ((ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إليّ)).

وهكذا تتواتر الآيات مجزمة بقدرة حتى الأنبياء والرسل.

وتتواتر أيضاً أحاديث مجوس التشيع مجزمة بجنوح القوم وخروجهم عن الجادة.

كذب القوم على الإمام الصادق الأمين العالم جعفر إنه قال:

((إني أعلم ما في السماوات والأرض وأعلم ما في الجنة وما في النار وأعلم ما كان وما يكون))([30]) .

سبحانك ربي.. إن هذا إلا بهتان عظيم.

وكذبوا على "محمد الباقر" حيث يروي أبو بصير أنه قال: "قلت لأبي جعفر عليه السلام. أنتم تقدرون على أن تحيوا الموتى وتبرؤا الأكمة والأبرص؟! قال: نعم. بإذن الله.. ثم قال لي: إدن مني يا أبا محمد. فدنوت منه. فمسح على وجهي وعلى عيني.. فأبصرت الشمس والسماء والأرض والبيوت وكل شيء في البلد!!.. ثم قال لي: أتحب أن تكون هكذا أو بك ما للناس وعليك ما عليهم يوم القيامة.. أو تعود كما كنت ولك الجنة خالصاً.. قلت: أعود كما كنت. فمسح على عيني فعدت كما كنت"([31]) .

هذا والمولى يقول في محكم قرآنه: ((وعنده مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو)). ويقول: ((عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحد)).

ويقول: ((ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون)).

هذا... وأهل السنة البررة يروون عن الفاروق أنه كان ينظر إلى الحجر الأسود فيقول كلما استلمه: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك.

ويروون عنه أنه سمع الناس يأتون الشجرة التي بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحتها بيعة الرضوان فيصلون عندها ويتبركون بها.. فأوعدهم.. وأمر هذه المناسك وأشباهها لوثة من الوثنية والتوكل على الجماد.. فأي الفريقين أهدى سبيلاً؟!!

 

المراجع

ـــــــــــــ

([17] ) يراجع كتاب الصديق بين أهل السنة... والشيعة الخمينية... للكاتب.

([18] ) ص 26.

([19] ) الاحتجاج للطبرسي ص 76: 77 ط. إيران 1302هـ.

([20] ) الأنوار النعمانية في بيان معرفة النشأة الإنسانية.

([21] ) تفسير العياشي 2/307... أيضاً "البحار" 8/47.

([22] ) مقدمة تفسير البرهان ص74.

([23] ) الصافي 571.

 

 

 

                           يتبع

                        أحمد كمال

 


عدد الزوار
  • عدد الزوار
    مواقع صديقة