ألأضرحة الوهمية 9

الجزائر

ضريح سيدي عبد الرحمان الثعالبي

يعد ضريح سيدي عبد الرحمان الثعالبي مثاليــًا لدراسة العلاقة القائمة بين السكان و الأولياء ، حيث حظي صاحب الضريح في حياته بالاحترام والتبجيل والمكانة العالية في مجالات العلم والقضاء والتأليف وغيرها. وبعد مماته تعاظم شأن ضريحه واحتل موقعــًا رئيسيــًا، ليس فقط بالنسبة للجزائريين، بل أصبح عنوانــًا لمدينة الجزائر، وذكره لا يفارق السكان المحليين، وكذا الأمر بالنسبة للزوار والسواح والوافدين. وقد تناولته المصادر التاريخية بالذكر والإشارة في أكثر من مؤلف وأكثر من مناسبة (على غرار التمغروتي في النفحة المسكية، وأبي راس الناصري في عجائب الأسفار وغيرهما).

سنعطي في البداية لمحة موجزة عن شخصية الثعالبي، ومن ثمة نتعرض لمجمل الطقوس والاعتقادات المرتبطة بضريحه في الفترة العثمانية (والتي لا تختلف كثيرًا عما هو سار اليوم).

هو أبو زيد عبد الرحمان بن مخلوف، ينتهي نسبه إلى جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، ويكنّى بالثعالبي نسبة لقبيلته "الثعالبة" التي استقرت بمدينة الجزائر قبل الدخول العثماني إليها. ولد حوالي سنة 1385م بمدينة يسّر، وتلقى تعليمه متنقلا بين الحواضر العلمية ومنها خاصة الجزائر وبجاية وقسنطينة وتلمسان. ثم زار تونس سنة 1407م ومكث بها طالبــًا للعلم، ومنها انتقل إلى مصر وعدد من عواصم المشرق العربي مثل مكة المكرمة، ودمشق، وبغداد والقدس.وتمكّن من التزود بعلوم العصر حينها في رحلة دامت قرابة عشرين سنة.

وبعد العودة إلى الجزائر تولّى الثعالبي التدريس والقضاء، وتفرغ للتأليف أيضــًا، وكان له تأثير كبير على معاصريه واللاحقين بهم، وخلف جيلا من التلاميذ ذائعي الصيت، والكثير من المؤلفات والرسائل، فقد "كان نموذجــًا للعالم الزاهد الذي استعمل علمه، لا لنقد أحوال الناس المعاشية، والتنبيه لنقاط الخطر في المجتمع، بل لدعوة هؤلاء الناس للهروب إلى الآخرة، والصبر على ظلم السلطان وسوء الأحوال".

واستمر الثعالبي على هذا الحال إلى غاية وفاته سنة 1479م، ودفن بضريحه الذي اختلفت الآراء بشأن تاريخ بنائه. لكن بحكم المكانة التي حظي بها، رُجح أن يكون قد تم تجهيزه وتشييده بعد وفاته مباشرة إذ ضم مسجدًا وقبة وزاوية، بالإضافة إلى الضريح، وبالقرب منه قبور لبعض أفراد الأسرة مثل ابنته عائشة، وكذا قبور عدد من الشخصيات العامة الأخرى كقدور باشا (ت 1605م)، ويوسف باشا (ت 1687م)، وعلي خوجة (ت 1818م)، وأحمد باي (ت 1848م)، وقبر الولي داده (ت 1554م) الذي تم نقله في الفترة الاستعمارية.

وأصبحت زاوية الثعالبي وضريحه مقصدًا للزوّار، وملتقى الزائرين، ومجمع طلاب البركة والشفاء، وكانت مجمعــًا للذكر وإقامة "المولديات"، وإلقاء الموشحات الدينية. وحظيت بأوقاف كثيرة؛ سواء من طرف السكان، أو من قبل السلطة العثمانية التي باركتها لشهرتها وحظوتها واعتدالها.

وقد تزايدت أعداد الوافدين للمكان مع مرور الزمن حتى نسي الناس خصال الرجل، ومناقبه، وتآليفه، واستحضروا خاصة كراماته ورؤاه. وبخصوص هذه الأخيرة فقد نسبت للثعالبي كثيرًا منها من ذلك مثلا رؤيته للنبي الكريم إذ روى الثعالبي نفسه أنه رأى الرسول (ص) عدة مرات أثناء كتابته لمؤلفه الجواهر الحسان في تفسير القرآن. وروى أنه قاسمه أكله، وزار بيت كتبه، ودعا له. ولذلك نصح تلاميذه والعامة بقراءة واستذكار كتاب تفسيره، والعمل به لتحصل البركة لمن فعل ذلك. وأخبر أيضــًا أن كتابه قد أصبح معروفــًا ومقروءًا بكثرة في حياته لأنه يحتوي على أسرار صوفية زعموا بأنه لا يدركها إلا أربابها من أهل الذوق الصوفي. ومما قال: "إني رأيت لكتابي هذا المسمى بالجواهر الحسان في تفسير القرآن. عجائب وأمورًا مباركة، لا يمكنني الآن استيفاء جمعها، وبعضها (كذا)، وأخشى ما يكون من باب إفشاء (كذا) أسرار الله، التي لا يمكن ذكرها، إلا بإذن من أهلها أهل الذوق". يعد ضريح الثعالبي أحد الأضرحة متعددة ومتنوعة المقاصد والغايات المرجوة منها، وهو مثال عن الأضرحة المحلية إذ أن صاحبه جزائري المولد والتنشئة، بخلاف أولياء آخرين كانوا من الوافدين (سواء الأتراك أو الأندلسيين وغيرهم). وكان الضريح محلّ إقبال المجتمع العاصمي بمختلف فئاته ومستوياته الاجتماعية، وكذا الزوار من الخارج، وخاصة في المناسبات الدينية، ومنها المولد النبوي الشريف الذي يوافق العيد السنوي لموسم سيدي عبد الرحمان. وقد حملت زيارة ضريح الثعالبي للمخيال الجمعي للجزائريين عدة اعتقادات ارتبطت أساســًا بالجوانب التالية: القدرة على الحماية، وتوفير الأمان للسكان، ورد الأعداء عن المدينة ولذلك كان الرياس والبحارة يزورونه طلبــًا للغنائم والبركة والنصر، ويطلقون المدافع خصيصــًا قبيل خروجهم إلى البحر. الشفاء من الأمراض المختلفة الجسدية منها والنفسية. استجابة الدعاء، ومنح البركة، وحصول الخير والسعادة الدنيوية والأخروية.والقدرة على تلبية مختلف الحاجات والرغبات من زواج وإنجاب وصلاح...والوقاية من الشرور ومن الحسد والبغض ،ودفع مس الشيطان والعين وغيرها .أما فيما يتعلق بالطقوس الممارسة بالضريح، فلم تختلف كثيرًا عن نظيراتها في الأضرحة الأخرى، وتعددت بين: تقديم الأضاحي المختلفة، خاصة عند إعطاء وعد بالنذر، أو في المواسم الخاصة بالزيارات السنوية، حيث يُؤتى بالأضحية ويتم ذبحها أحيانــًا داخل الضريح على يد شخص مختص بفعل ذلك، ثم تطهى، ويوزع الطعام (عادة ما يكون طبق الكسكسي) على الفقراء والمعوزين وعابري السبيل.

 إعطاء الهبات من ملابس وحُليّ ونقود وغيرها ويتكفل وكيل الزاوية عادة باستلامها، وإعادة توزيعها، أو استغلالها في صيانة الضريح. بالإضافة إلى ترك بعض الأغراض الشخصية للزائر صاحب الحاجة أو المريض داخل الضريح ثم الرجوع إليها بعد عدة أيــام واسترجاعها بعدما تكون قد "امتلأت بالبركة"،حسب تخيلهم.

 انظر للتفصيل: عثمان بوحجرة (2015)، الطب والمجتمع في العهد العثماني (1519- 1830م): مقاربة اجتماعية، (...)

الطواف مرة، أو عدة مرّات على الضريح، وإشعال الشموع داخل الضريح، وهو فعل مألوف كما يبدو منذ القِدَم، تدل رمزيته غالبــًا على الرغبة في استلهام النور والهداية من الوليّ الصالح صاحب الضريح. بالإضافة لوضع نبات الحناء، وإشعال أنواع البخور لطرد الأرواح الشريرة، والشياطين، وتنقية النفوس، على أساس أن البخور أداة فعالة لذلك.

إطلاق المدافع عند عودة الغائبين في البحر، وحملهم لقطع من الأقمشة الموجودة بالضريح، فيعلقونها مع الأعلام، أو يربطونها بالسفن تبركــًا بصاحبها. كما أنهم يخصصون جزءًا من الغنائم لفائدة الضريح كعربون سلام وتفاؤل.

القيام دوريــًا بـ "الحضرة"، وهي تجمع "الفقراء" للذكر، ويتحول الأمر تدريجيــًا إلى القيام برقصات وفق حركات موزونة وموقوتة، وبأصوات متناغمة تعلو وتنخفض بإشارات معينة من الشيخ أو المقدم. وتستعمل أحيانــًا الآلات الموسيقية، وتوزع بعض الحشائش والمنبهات بقصد الانتشاء وتحريك العواطف. وقد يتطور الحال إلى الدخول في غيبوبة أو موجة من البكاء والصراخ وغيرها. ويمكن أن يستعيد المجتمعون تداول كرامات الولي صاحب الضريح ومرائيه ويسردونها فيما بينهم.

    •  انظر: القشاعي، فلة (2004)، الصحة والسكان في الجزائر أثناء العهد العثماني وأوائل الاحتلال الفرنسي (1 (...)

      أخذ بعض أوراق الأشجار والأعشاب الموجودة بالضريح (وحتى التراب أحيانــًا)، ومنها شجرة الخروب التي ساد الاعتقاد بأنها تشفي الحمى بعد شرب منقوع أوراقها، أو غليها، أو بمضغها قليلاً49. واعتبر الماء أحد أهم الوسائل الاستشفائية، سواءً كان عينــًا جارية، أو مرقيــًا بالآيات القرآنية من طرف الشيخ المرابط، وذلك عن طريق شربه مباشرة، أو استعماله في أغراض أخرى كالاغتسال والمسح وغيرها من الاستعمالات.

      اللجوء إلى مساعدة الشيخ المرابط الموجود بالضريح، والذي يقوم بتجهيز الخلطات والتمائم والعقاقير والأعشاب وغيرها وفق طقوس معينة، خاصة منها مسح رأس المصاب أو الزائر ومرافقيه، وترديد عبارات مبهمة وغير مفهومة يقصد منها الدعاء ورد المرض وغيره.

      لقد كان لانتشار الأوبئة والأمراض- كما سبق ذكره- أثرا كبيرًا على مستوى بنية التفكير والسلوك الجمعي للجزائريين. فكما انتشرت فكرة أن الوباء هو سخط وغضب من القوى "الخارقة" للطبيعة؛ فان العلاج والشفاء حتمــًا يكون عبر التأثير على تلك القوى، ومحاولة إخضاعها بواسطة زيارات الأولياء الصالحين، مما فتح الباب لاختلاط الممارسات السحرية بالممارسات التطبيبية العلاجية، بل وتتفوق عليها.

    • 52 أنظر: أبو القاسم، سعد الله، المرجع السابق، ص. 205-206.

      وتجدر الإشارة إلى أن فنون الشعر الشعبي والمدائح وغيرها قد رافقت ظاهرة زيارة الأضرحة وسجلت حضورها وتأثيراتها على نفوس الجزائريين وسلوكاتهم، وأثرت المخيال الشعبي المتداول عن بطولات الأولياء الصالحين وكراماتهم وبركاتهم على مرّ السنين. ولاشك أن الدارس لتلك النصوص (وخاصة القصائد المنظومة منها) يجد فيها الكثير من الدلائل التاريخية على العلاقة الوطيدة التي ربطت أفراد المجتمع وجذبتهم إلى عالم الأموات- الأحياء، وحضورهم المستمر وكأنهم يعيشون ويتقاسمون معهم انشغالاتهم وهمومهم.

      ويلاحظ أيضــًا في هذا الخصوص أن كل الخصومات تزول داخل المكان المقدس للضريح، وتذوب الفوارق الاجتماعية بين الناس، ويتساوى الكل أمام حضرة صاحب الضريح، على الرغم من اختلاف المقاصد والأهداف والممارسات بينهم. ولم تسجل المصادر أي نوع من أنواع التخاصم والتنابز والشجار داخل الضريح. ومن ناحية أخرى كانت زيارة سيدي عبد الرحمان الثعالبي مشروعة ومتاحة، ولم يكن ممكنــًا لأي شخص أن يغضب من تأخر أهله مثلا عند زيارة الضريح، أو عند تخصيصهم الهبات له، وكأن الأمر كان بديهيــًا بل وحتميــًا.

      خاتمـة

      لقد حاولنا في هذا المقال تقديم فكرة عن المعتقدات والطقوس المرتبطة بالأضرحة في الجزائر خلال الفترة العثمانية. وكان هدفنا، ليس تقديم تحليل أنثروبولوجي للعلاقة بين مستويات البناء الثقافي من خلال دراسة الأضرحة، أي المستويات الدينية، الاجتماعية، السياسية وحتى الاقتصادية؛ بل كان عرض وصف تاريخي وإثنوغرافي للمعتقدات، العادات والتقاليد التي مارسها السكان الجزائريون أثناء زيارتهم لأضرحة الأولياء. والجدير بالذكر أن الكثير منها لا زال يمارس اليوم كما أشرنا إلى ذلك عند عرض حالة سيدي عبد الرحمان الثعالبي.

      والجدير بالذكر أيضا هو تلك العلاقة بين السلطة السياسية الحاكمة وزيارة الأضرحة والعناية بها. فهذه العلاقة كانت وطيدة خلال فترة الحكم العثماني بالجزائر أو على الأقل لم تغفل السلطة الحاكمة عن هذه الأضرحة وظلت تحت أعينها كآلية لـ"تأطير" السكان مثلما كان الأمر في الجهات الأخرى للسلطنة العثمانية.

      وكما أشرنا في مقدمة المقال، لا زال مجال البحث واسعا في تاريخ الجزائر خلال الفترة العثمانية ويمكن تناول مواضيع أخرى تتعلق بالأولياء والتصوف والزوايا وزيارة الأضرحة، من ذلك القيام بدراسات مونوغرافية لأولياء آخرين كالولي سيدي امحمد بو قبرين والولي سيدي الكتاني والولي داده التركي وغيرهم، ومن ذلك أيضا دراسة التراث الشفهي المرتبط بهؤلاء الأولياء كالقصص الشعبي والشعر الملحون. وكل هذه الدراسات تتطلب التعاون العلمي الوثيق بين مختلف مؤسسات البحث ومختلف التخصصات الأكاديمية.

       

      المنصف عبدالعزيز الوهراني

       


    عدد الزوار
    • عدد الزوار
      مواقع صديقة