أضرحة النصب الوهمية 7

الجزائر

نتناول في هذا المقال دور وأهميـة الأضرحـة في الجزائر باعتبارها أماكن للدّفن ومبعثا للحياة في بعدهـا اللامادي والروحـي، على مستوى الحياة الاجتماعية والدينية. تسمح قراءة بعض الطقوس والاعتقادات من تحليل نموذج ضريح سيدي عبد الرحمان الثعالبي.

لقد عرفت الجزائر في العهد العثماني تعدّدا وتنوّعا في مرافقها الحضارية والاجتماعية والاقتصادية والدينيّة والعمرانية، مما انعكس على المنشآت الدينية مثل المساجـد والزوايـا والمدارس والأضرحة التي استفادت هي الأخرى من محيط الانفتاح الديني والتعايش المذهبي والعقائدي السائد آنذاك.

مقدمة

1ـ لا يزال تاريخ الجزائر في الفترة العثمانية، لاسيما في جوانبه الثقافية والسوسيو- أنثروبولوجية، مجالاً خصبـًا للبحث والإثراء، خاصة عندما يدرس ويحلل العلاقة بين الإنسان ومحيطه المكاني وكذلك وفق السّياق الزمني، ويؤرخ لتأثيرات تلك العلاقة وما ينجم عنها على مستوى البناء الثقافي.

2ـ والبحث في مجالات التفاعل بين الإنسان والمكان يمكن أن يكشف عن الدلالات الرمزية والبنيوية للأماكن المخصصة للذكرى والطقوس المرتبطة بالموت، ومنها على وجه الدقة تلك المؤداة في الأضرحة باعتبارها جزءًا مهمـًا من علاقة التواصل بين الأحياء وماضيهم.

3ـ إخترنا في هذا المقال دراسة الطقوس والممارسات المرتبطة بالأضرحة في الجزائر خلال فترة الحكم العثماني. لقد حاولنا الإجابة على الأسئلة التالية:

 ما هي ملامح الحياة الاجتماعية خلال هذه الفترة والتي أطرت هذه الطقوس والممارسات المتعلقة بالأضرحة؟ ما هي مكانة وأدوار هذه الأضرحة؟ وماهي المعتقدات المرتبطة بها؟

 4ـ بعد تعريف بعض المصطلحات، حاولنا الإجابة على هذه الأسئلة بالاستناد إلى المصادر التاريخية المتوفرة وبعرض حالة ضريح سيدي عبد الرحمان الثعالبي باعتباره نموذجا ممثلا للعديد من الأضرحة في تلك الفترة من التاريخ الجزائري.

تعريف بعض المصطلحات

5ـ إن الحيز الزمني لفترة الحكم العثماني للجزائر، والذي امتد لقرابة الثلاثة قرون، يجعل من الصعب عرض كل المصطلحات المتعلقة بالموضوع في هذا المقال (وقد أحصينا أزيد من ثلاثين مفردة)، لذلك اكتفينا بعرض المصطلحات الثلاثة التالية:

6 ـ الضريح لغة هو الشق الذي يكون وسط القبر، وقيل هو القبر كلّه. أما اصطلاحًا فيطلق على البناء المشيد على القبر (أي فوقه). ويتميز ببساطة الشكل والتصميم عادة، ولا يرقى إلى شكل العمارة الدينية كالمساجد، ولا العمارة المدنية كالقصور والمنـازل1.

7ـ وتعلو الضريح في الغالب القبة التي تكبر أحيانــًا وتتسع فتشمـل الضريح، ويسمى بقبة فلان. وتمثّل بدورهـا رمـزًا ذا قداسة، وقد تكون مفتوحـة أو مغلقـة. كما تختلف أحجام وأشكال وتركيبة الضريح والقبّة على السواء، فتكون كبيرة أو صغيرة، مربّعة أو أسطوانية،رخامية أو حجرية، إلخ.

8 ـ ولا يقتصر الضريح على قبر واحد في مكان واحد إذ يمكن أن نجد عدة أضرحة لشخص واحد في أماكن متفرقة. ويمثل الضريح في العرف الشعبي رمز التقوى والصّلاح، وهو مكانلالتماس البركة والخير والدعاء المستجاب. وتنقسم الأضرحة إلى أنواع: منها ما يضم رفات صاحبه؛ ومنها أضرحة الرؤيا، وهي تلك التي تم تشييدها بعد زعم أحد ما بأنه رأى أحد الأولياء الصالحين في المنام في موقع معين؛ ومنها الأضرحة "الوهمية" وهي التي لا تحتوي على رفات، وتمّ إنشاؤها تبعا لرغبات سياسية أو دينية.

9  ـ الولــيّ

الولي حسب التعاريف المتداولة، الولي هو العارف بالله وبصفاته، المواظب على الطّاعات، المجتنب للمعاصي، المُعرٍض عن الانهماك في اللّذات والشهوات المباحة، المحافظ على السنن والآداب الشرعية. سمي وليًا لأنه يتولّى عبادة الله على الدوام، أو لأن الله تولاه بلطفه وعنايته. إنه الشخص التّقي الصالح الذي يحظى في حياته، وحتى بعد مماته، بتقدير واحترام الناس. ويكون من أصحاب الدين والعلم والزهد والعمل الصالح.

وينقسم الأوليـاء حسب البعض إلى: مرابطين شرفاء بالنسب ينتهون إلى آل الرسول الكريم؛ وأولياء من ذوي الكرامات. ويمثّل الأوليـاء الجانب المقدس في الضريح، أي البعد الروحي المرتبط بصاحب الضريح.

10 ـ الكرامـــة

الكرامة في سجل التصوف هي الفعل "الخارق للعادة" وغير المألوف في الحياة المعهودة،يظهره الولي الصالح، ويقابلها لدى الأنبياء المعجزة. والاعتقاد السائد بأنها لا تزول بعد وفاة صاحبها، بل تلزم قبره وتكون سببــًا في التواصل بينه وبين الناس، ولذلك يلجأ من يعتقدون بتلك الأضرحة للتبرك بكل ما وجد بالضريح أو بجواره، بدءًا بالخرق المعلقة، والأعلام المزينة، والشموع، وأنواع البخور، والمصابيح، ويلاحظ عدم اهتمام الناس إجمالا بتداول مناقب الولي صاحب الضريح بقدر اهتمامهم وحرصهم على الحديث عن كراماته، حتى أصبح ذكر الأولياء الصالحين مرتبطــًا في الذاكرة الشعبية بكرامة ما أو حتى بعدة كرامـات.

11ـ بعض ملامح الحياة الاجتماعية بالجزائر في العهد العثماني

دام الحكم العثماني بالجزائر قرابة الثلاثـة قـرون (1518-1830) عرف خلالهـا الجزائريون تغيّـرات على مستـوى البنية الاجتماعية والاقتصادية، فضلا عن التحولات السياسية والعسكرية.

 وإذا كانت المصـادر التاريخية تتباين كثيرًا بخصوص التحديد الديمغرافي للسكان الجزائريين في الإيالة، وفي كل مدينة/ قرية أو بايلك على حدى، خاصة في بعض الفترات (كمواسم الزلازل والجفاف وغيرها) ؛ فإن أية دراسة اجتماعية تتناول تفاصيل الحياة اليومية للجزائريين آنذاك لن تكون دقيقة. وهذا ما يطرح أمام الباحـث، في موضوع زيـارة الأضرحة، إشكالاً جوهريـًا يتعلق بنسبة المواظبين على تلك الزيارات، وذلك لمعرفة طبيعة العلاقـة بين المتغير البشري (السكـان) والمتغير المـادي (الأضرحة).

إن كلاً من الوازع الديني، والحالة الصحية، والمستوى المعيشي، والاستقرار السياسي،وتغيرات المجال البيئي والمناخي (بالإضافة لعوامل أخرى)؛ تمثل مجتمعة مفاتيح لتقدير وتقييم الحالة الاجتماعية والثقافية والدينية للمجتمع الجزائري في العهد العثماني، لاسيما في مجال الطقوس، والممارسات التعبدية، والاعتقادات المتداولة بشأن الأضرحة والمقابر. وتجدر الإشارة أن ارتباط الجزائريين بالدين الإسلامي، وتمسكهم بتعاليمه واحترامهم لمؤسساته، قد اتخذ وتيرة منتظمة إذ لم تشهد الجزائر، خلال فترة الحكـم العثمـاني، أية ثورات ذات طابع ديني (عدا تلك المنسوبة لبعض قادة الطرق الصوفية، والتي ارتبطت في الواقع برفض الأعباء الضريبية، كثورة ابن الأحرش والدرقاوي)؛ ولم تعرف أيضــًا الفتن المذهبية، ولا الحركات المتطرفة. لقد ساد عمومــًا الانسجام والتوافق بين المذهبين:الرسمي الحنفي والشعبي المالكي، بل إن التسامح الديني امتد حتى للطوائف الأخرى كاليهود والمسيحيين.

أما فيما يتعلق بالعادات والتقاليد ذات العلاقة بموضوع الأضرحة، فقد ارتكزت أساســًا على جانبين رئيسيين هما:

 أولاً، الاحتفاظ بالتراث الثقافي (في بعديه المادي واللاّمادي) والذي طالما توارثته الأجيال حتى قبل العهد العثماني. وثانيــًا، المنظومـة الاجتماعيـة التي غلب عليها الطابع القبلي، مما أفرز تجذرًا لفكرة أو مبدأ الولاء والخضوع لسلطة شيخ القبيلة وتقديس الأولياء (الصالحين والمرابطين والشرفاءـ

  ومن الملفت للانتباه أن السلطة العثمانية بالجزائر تذبذبت في اهتمامها بالمجال الصحي للسكان، فلم تكن هناك مستشفيات بالمفهوم المتعارف عليه آنذاك، وكان الأطباء في الأغلب من الأجانب سواءً المستقدمين خصيصـًا للعلاج، أو من الأسرى والأرقـاء. وكثرت الأمراض طيلة القرنين السابع عشر والثامن عشر، لاسيما منها الأوبئة كالطاعون والدفتيريا، وأنواع الحمـى، والأمراض التنفسية وغيرها. كما سادت المجاعـة خلال فترات الجفاف خاصة في نهاية القرن السابع عشر. وتفيدنا المصـادر مثلاً عن هلاك نسبة 10 %من السكان سنة 1648، وكانت تسمى "سنة الشّر"، عند انتشار الطاعون (حيث كان يودي عادة بحياة ما بين عشرة إلى عشرين ألف شخص)10.

وقد ذكرت كتابات الرحالة والمغامرين وزوار الجزائر حينها استغرابهم من ذلك الوضع المزري.

إن الأعداد الكبيرة للمتوفّين بسبب الأمراض المنتشرة، أو نتيجة للظروف السياسية المختلفةكالحروب والغارات، أو نظرًا للظواهر الطبيعية (مثل الزلازل والفيضانات والجفاف...)،جعلت الجزائريين يحاولون استجداء الأشخاص والأماكن للمحافظة   حياتهم وحياةذويهم، ويتمسكون بالمعتقدات الرائجة آنذاك من أجل شفاء المرضى وإبعاد الأخطار. وكان مفهومــًا ذلك التواصل الوثيق بين الأحياء وذوي "القدرة" من الأموات (ونقصد تحديدًا أصحاب الأضرحة). ومع مرور الوقت أصبح من باب الوفاء الالتزام بطقوس زيارة الأضرحة، حتى في فترات الرّاحـة والرّخاء كنوع من الشكر، وإبداء الامتنان، وتمني دوام الصحة والأمان والسعادة.

الأضرحة: المكانة والدور

تُعدّ زيارة الأضرحة عادة متوارثة لا يعرف بالضبط تاريخ ظهورها في العالم الإسلامي عامة وفي الجزائر بالأخص. لكن المؤكد هو انتشار الأضرحة في كافة القطـر الجزائري، ولا تكاد تخلو قرية أو مدينة من ضريح وقبـة أو أكثر، وعُدَّت المنطقة الخالية منهما مغضوبــًا عليها،وتنقصها البركـة. لكن الاختلاف في هذا الجانب يكمن في تفاوت أهمية شخص الولي الصالح صاحب الضريح، ومستوى كراماتـه، وحجم الاهتمام والعناية التي يلقاها ضريحه من القائمين عليه من زاويـة وأوقاف وغيرها، وكذا بالنظر للأغراض المتوخاة من الزيارة.

لقد شكّلت زيارة الأضرحة، في تقدير بعض الأنثربولوجيين، متنفسًا وخروجًا عن العالم المادي إلى العالم الروحي، ممثلاً في رمز الولي الصالح، واعتبرت محاولة للهروب من الحياة الدنيوية إلى الخيال المقدس. كمـا أن هذه الظاهرة مثّلت تواصلاً بين الماضي (الجميل) والحاضر (المفزع) عند استذكار فضائل وكرامات أصحاب الأضرحة. وفي ذلك أيضــًا استحضار لذكرى الأجداد والأولين واستلهامــًا لبطولاتهم وأمجادهم بشكل غير مباشر. كل ذلك من شأنه إضفاء بعض الإشراق والفرح على الواقع المر، وشحن الناس بالطاقات الايجابيةومواجهة مشاكل الحياة العصيبة.

وقد أرجع إدموند دوتي (E. Douté) أسباب ظاهرة زيارة الأضرحة، وتمسك المجتمعات المغاربية عمومــًا بها، إلى رغبتهم الكبيرة في التمسك بدينهم، وقدم تفسيرًا لذلك يكمن في أن عدم وجود وسيط بين الإنسان وربه في الدين الإسلامي يجعل الإنسان يبحث عن سبل لنيل مرضاة الله، ويتقرب إليه، وأنه يجد ضالته في زيارة الولي الصالح باعتبار مكانته ومستواه من التقوى والصلاح.

كما اعتبر وجود الأولياء الصالحين (الأحياء والأموات)، ومن شابههم من شيوخ الطرق الصوفية والمرابطين وحتى الأئمة والخطباء أحيانــًا، ضروريــًا للجوء إليهم في أمورهم الدينية والدنيوية، لأنهم كما قال حمدان بن عثمان خوجة (1745- 1840) "كانوا يعلمون الناس الأخلاق، ويفسرونها بقدر المستطاع، كما يعلمونهم الصلاة،ويهدونهم إلى مكارم الأخلاق. ومقابل ذلك يجنون الطاعة المطلقة. ويعتقد السكان أن كل دعائهم مقبول عند الله، الذي يؤمنون بقداسته وجلاله". وعليه كثيرًا ما سميت المدن والقرى والأحياء بأسماء الأولياء (كسيدي بلعباس، وسيدي موسى بالجزائر العاصمة، وسيدي غيلاس...). وارتبط البعض الآخر بتلك الأضرحة "المعالم" حتى صار جزءًا منها كما هو حال مدينة الجزائر وضريح سيدي عبد الرحمان الثعالبي، الذي يعد الضريح الأشهر والأبرز ربما على مستوى الوطن بأكمله، والذي رصدت له المصادر المحلية والأجنبية حيزًا مهمــًا عند حديثها عن المدينة. كانت الأضرحة أيضــًا ملجأ للمشردين الذين لا منازل لهم ولا عائلة، ومع مرور الوقت تعاظم شأن بعضهم .

ومن جهة أخرى مثّلت الأضرحة ملجأ للغرباء وعابري السبيل، وحتى الفارين من العدالةأحيانــًا لأنها لطالما تمتعت بالحرمة والهيبة بحيث يصعب فيها اللجوء لاستعمال القوة والعنف في تنفيذ حكم ما، أو إجبار شخص غريب على المغادرة وخلاف ذلك. وارتبط الأمربطهارة وقداسة المكان في نظر الزوار وإيمانهم بقدرة الولي صاحب الضريح على القصاص والانتقام من أي ظالم، ونذكر من ذلك مثلا هروب المزوار الحاج سعدي سنة 1829 وطلبه النجاة من غضب الداي حسين، واختبائه بضريح الثعالبي.

المنصف عبدالعزيز الوهراني

 


عدد الزوار
  • عدد الزوار
    مواقع صديقة