ألأضرحة الوهمية 2

ألأضرحة الوهمية وكيف تحولت لأداة للثراء السريع

ـ عوائدها تفوق عشرات المليارات سنويًّا، ويسيطر عليها دجالون ونصابون.
· 50%
من عدد الأضرحة وهمية، وصمت المجلس الأعلى للطرق الصوفية حيالها مريب!  

 ـ حولت مجهولين وحيوانات ومسيحيين ويهود لأولياء، والقائمون عليها طابور خامس لنشر الخرافات.

 ـ بعض شيوخ الطرق الصوفية تحولوا لأثرياء بفضل السيطرة على عوائد صناديقها ونذورها الوهمية.

ـ اقتصار رقابة الدولة على الأضرحة المسجلة أغرى أبناء الطرق بالانشقاق واقتحام عالم الأغنياء

ـ رموز الصوفية طرحوا القضية للنقاش، وغياب الموقف الجاد فتح باب التكهنات حول مباركتهم لها 

ـ علماء الدين والاجتماع يطالبون شراكة مجتمعية للتصدي للفكر الشركي.

هناك قصة تبدو في ظاهرها طريفة، كان يتداولها الناس في مصر لمدة طويلة جدًّا، بل إنها مستمرة في التدوال حتي الآن في بعض القرى في ريف مصر وصعيدها، وتتمثل في أن اثنين من اللصوص سرقا حمارًا من أحد الموالد، وبينما هما في الطريق لأحد الأسواق خر صريعًا نافقًا، فما كان منهما إلا أن شرعا في حفر لحد له لعله يخفي معالم جريمتهما، غير أنهما وأثناء الدفن تفتق ذهنهم عن حيلة للاستفادة من هذا القبر عبر ترديد مزاعم عن كراماته ومعجزاته، بل وطلبا إنشاء ضريح ومقام له لعلهم يحققان من وراء هذا الضريح ما عجزوا عن تحقيقه عبر اللصوصية وسرقة المواشي، وهو ما تحقق لهما في النهاية عبر الموالد المنتظمة التي تبذل فيها الأموال بشكل أقرب للسفه دون وجود مبرر شرعي أو منطقي.


اهتراء ديني واجتماعي:

هذه القصة على غرابتها إلا أنها تعكس نوعًا من الموروث الاجتماعي المهترئ الذي تعيشه قطاعات عريضه من الشعب المصري لم تنل حظًّا من التعليم، أو سلامة المعتقد الديني وفق مذهب أهل السنة والجماعة، بل إنها تقدم تفسيرًا كذلك لظاهرة تعاني منها مصر حاليًا؛ وتتمثل في ارتفاع قياسي لعدد الأضرحة الوهمية خلال السنوات الأخيرة، فاقت بكثير عدد الأضرحة الرسمية في مصر والتي تجاوزت أكثر من 2225 ضريحًا ومقامًا أغلبهم غير مسجلين، كما يؤكد د.شحاتة صيام أستاذ الاجتماع السياسي بجامعة الفيوم في كتابه "الطهر والكرامات: قداسة الأولياء" تحول أغلبها لأداة للنصب والثراء السريع؛ نتيجة سيطرة مجهولين على صناديق النذور التي تدر سنويًّا ما يقرب من 10 مليارات جنيه "2مليار دولار".

قبلة للجهلة وبوابة للملايين:

من البديهي التأكيد أن هذه الأضرحة الوهمية قد تحولت خلال السنوات الأخيرة لبوابة سحرية للثراء، سواء لعدد من كبار مشايخ الطرق الصوفية الذين أحكموا سيطرتهم على حصيلة صناديق النذور بعيدًا عن سطوة أجهزة الدولة،ولابد من مراجعة للأمور سواء من وزارة الداخلية أو المالية أو الشئون الاجتماعية التي تكتفي فقط بالإشراف على الصناديق التابعة للمساجد والأضرحة الرسمية المسجلة، دون أي رغبة في امتداد الرقابة على آلاف من الأضرحة، بشكل يفتح الباب مع علامات استفهام حول هذا الأمر، خصوصًا أن عددًا من كبار رموز الصوفية قد اقتحموا بغير مبرر نوادي الأغنياء وأصحاب السيارات الفارهة التي يجد أصحاب المؤسسات الاقتصادية صعوبة بالغة في اقتنائها، بشكل دعا بعض أبناء طرقهم إلى الانشقاق عليهم وتأسيس أضرحة وهمية علها تقربهم من عالم المال والثراء.

حملات دعاية:

ولاشك أن آلاف الأضرحة الوهمية قد تحولت لقبلة دائمة للجهلة والبسطاء بفضل حملة دعائية ضخمة روجت لها المافيا القائمة عليها، بل إن موالد عقدت لشخصيات مثيرة للجدل يعتقد أن بعضها لشخص يهودي أو مسيحي دون الحصول على تصاريح رسمية سواء من أجهزة الأمن أو من المجلس الأعلى للطرق الصوفية، ودون أن يستحث هذا المؤسسات الرسمية للتدخل لوقف هذه المهزلة، التي تحولت لأسواق تجارية لتصريف الهدايا والنذور سواء المادية أو العينية التي يقدمها رواد هذه الأضرحة لخدامها سعيًا للتبارك بها، ورغبة في تحقيق آمالهم وطموحاتهم التي غابت عنها طويلا ولا يرجى عودتها إلا بالتقرب لأصحاب الأضرحة الوهمية.

شك وريبة:

ورغم إثارة عدد من قادة الطرق الصوفية لقضية الأضرحة الوهمية خلال عدد من الاجتماعات سعيًا لاتخاذ مواقف رسمية منها؛ إلا أن هذه الاجتماعات فُضَّت دون تبني موقف قوي، وهو ما فتح بابًا لتكهنات وتسريبات حول مباركة غير رسمية من رموز هذه الطرق لهذه الأضرحة، باعتبار أن حصيلة النصب على المواطنين من البسطاء والسذج تدخل جيوب هؤلاء، وتدر عليهم مالًا وفيرًا، فلِمَ يتم التصدي لها وحظرها؟! خصوصًا وأن سلطات الدولة ورغم اعتراف عدد من كبار مسئولي وزارة الأوقاف بأن أكثر من 50؟% من هذه الأضرحة وهمية إلا أن أحدًا لم يستطع الاقتراب منها، ولم تحرك الدولة ساكنًا للتصدي لها

جهات مشبوهة وملايين:

وقد قام موقع "الصوفية" بجولة في عدد من الأضرحة الوهمية في عدد من محافظات الجمهورية خصوصًا القريبة من العاصمة القاهرة، حيث رصدنا العجب على لسان عدد من رواد هذه الأضرحة، حيث أقروا بتقديم نذور وهدايا مالية للحصول على البركة وزوال الكروب رغم إدراكهم بوهمية هذه الأضرحة، وعدم وجود أي شواهد تدلل على كرامة أصحاب هذه الأضرحة.

البداية كانت في ضريح "يوسف الصديق" بقرية شبرا شهاب من أعمال القناطر الخيرية بمحافظة القليوبية، حيث فوجئ أهالي القرية ذات صباح ـ بحسب عبد الله دغيدي مدرس من أبناء القرية ـ بوصول معدات ومواد بناء وأموال سائلة من شخص يدعي قربه من مسئول كبير في النظام المصري السابق ـ قيل الكثير عن جذوره اليهودية ـ لتمويل بناء ضريح لهذا الشخص المبروك بزعم قدرته على شفاء المرضي، وما هي إلا عدة أسابيع حتى فوجئنا بضريح لم يسمع أهالي القرية عنه شيئًا ومنهم شيوخ تجاوزت أعمارهم 9 عقود، مما يؤكد أن الأمر يقف وراء جهات تريد نشر الجهل والخزعبلات وتحقيق الثراء السريع

ولكن المريب ـ والكلام ما زال لدغيدي ـ أن هذا المقام قد تحول خلال فترة قصيرة لقبلة للزائرين، ومنهم شخصيات تبدو عليها مظاهر الثراء، حين تدلف من سيارتها إلى الضريح مباشرة محملة بما يخطف الأبصار من أموال وسلع عينية، غير أننا لا نجد صعوبة في معرفة مصير مئات الآلاف من الجنيهات التي يمتلئ بها صندوق النذور

"دحنا دفنينه سوا":

ويلتقط خيط الحديث محمد الدسوقي أحد رواد ضريح سيدي أبو محمود في العزبة التي تحمل اسمه في مركز أشمون بمحافظة المنوفية "وسط دلتا مصر"، حيث ينقل عن خدام الضريح مزاعم بانتساب صاحب المقام لآل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم رغم عدم وجود أي وثيقة تعزز هذا الأمر، بل إن هذا الضريح شكل محطة لعدد من العراقيين الشيعة الموجودين في مصر، مما فتح الباب على مصراعيه حول فرضية تحول هذه الأضرحة الوهمية لأدوات لنشر المذهب الشيعي، في ظل مظاهر الجهل والشرك والمخالفات الشرعية التي تسود الموالد، والتي يتوافد عليها المرضي وأصحاب العقد والعوانس والمصابون بالعقم

ويتابع: وكأن الضريح المجهول قد تحول لمستشفي يستغل خدامه حاجات الرواد وخضوعهم واستعدادهم لبذل اللغالي والنفيس للسطو على صناديق النذور وهبات المغلفين والجهلة؛ لدرجة أن مشاجرة اندلعت بين خدمي المقام ذات يوم على حصيلة الصندوق، حين زعم أحدهم أن صاحب المقام هو من استولي عليهم ووزعهم على المحتاجين، فما كان منه إلا مباغتته بالقول: (سيبك من النصب دا، دحنا دفنينه سوا).
أما في قلب القاهرة وفي ضاحية مصر القديمة فهناك قصة غريبة يسردها مصطفي شعبان أحد أبناء الحي، حيث يوجد ضريح مفترض للسيدة رقية ابنة سيدنا علي رضي الله عنه، رغم أن أغلب المؤرخين شككوا في هذا الضريح مدللين على ذلك بوجود عدد من الأضرحة لها في بلاد الشام والعراق، مرجحًا وجود كذبة تقف وراء ذلك حيث زعم أحد الأشخاص أنه رأى في منامه السيدة رقية وهي تقف بالقرب من ضريح السيدة "نفيسة العلم"؛ فاستقر على أن يؤسس ضريحًا فتحول هذا الضريح بين يوم وليلة لمنجم يدر عليه ذهبًا، نتيجة سطوته دون رقيب على صندوق النذور، مما غدا معه واحدًا من أبرز أغنياء المنطقة بعد أن كان معدمًا بعد أن تحول ذلك الكذاب الحالم إلى خادم للضريح.المزعوم 

ثقافة النصب والاحتيال:

وإذا كانت الأضرحة الوهمية قد انتشرت وتصاعدت أعدادها في معظم أنحاء الجمهورية، وحولت معها مجهولين وأشخاصًا لا يدينون بالإسلام الصحيح لأولياء سرهم باتع، وقديسيين قادرين على شفاء البشر من الأمراض العضال ـ فإن هناك أمرًا شديد الغرابة قد لا نستطيع فهمه، ويتمثل في إقبال البعض على زيارة هذه الأضرحة الوهمية رغم يقينهم بانتفاء وجود صاحب مقام بها وقيام نصابين على خدمته، وهو ما سنحاول الوصول لتفسير له مع أحد المتخصصين في علم الاجتماع وهي د.عزة كريم الخبيرة في المركز القومي للدراسات الاجتماعية والجنائية، والتي أبدت استغرابها الشديد من استمرار وجود هذه الظواهر في عصر التقدم العلمي وسيادة التكنولوجيا، فما كان مقبولًا في عصور الجهل والظلام لا يمكن قبوله حاليًا.

فمن الغريب أن يغرر المرتزقة بالبسطاء، فيبنون ضريحًا وهميًّا يجنون من ورائه نذورًا وثروات طائلة في وقت يقف المجتمع صامتًا تجاه هذه الخزعبلات وهذه الجرائم، التي تشكل خصمًا من قوة المجتمع الاقتصادية التي تصل لجيوب النصابين دون أي مجهود، مما يكرس ثقافة النصب والاحتيال في جنبات المجتمع.

ورصدت أن هناك قرابة 300 ألف شخص يعملون في مجال الدجل والشعوذة والنصب من خلال هذه الأضرحة الوهمية وغيرها، نتيجة استمرار اعتقاد الكثير من الأسر المصرية ممن لا يتمتعون بمستوى راق في التفكير ولا الحد الأدنى من الثقافة الدينية في دور هؤلاء الدجالين في حل الكثير من المشاكل المستعصية، رغم أن التحذيرات المتتالية من علماء دين أفاضل بأن هذه الأمور تصل بمرتكبها للشرك الأكبر، حيث تنسب لمجهولين قدرات لا يستطيع إلا الله تعالى فك الكروب، ومنها مثل تأخر سن الزواج، أو عدم الإنجاب والعقم، أو فك السحر والأعمال.
وبررت زيادة الإقبال على زيارة هذه الأضرحة خلال السنوات الأخيرة بسيادة أنواع من الارتباك والانهيار الاجتماعي والديني، ومعه مظاهر التبرك والثقة في قدرة هؤلاء الأولياء الوهميين في تحقيق الأمنيات، وتراجع دور المؤسسات الدينية والاجتماعية والتعليمية في التحذير من هذه المظاهر التي تخالف العقل والنقل، متسائلة كيف يرهن مواطن إرداته وآماله بشخص وهمي لا وجود له إلا إذا كان يفتقد أي قدرة على التفكير المنطقي، ويسمح للخزعبلات والخرافات أن تسيطر عليه؟!

وطالبت بشراكة مجتمعية في القضاء على تلك الظاهرة الخرافية التي تعيق عمليات النهوض بالمجتمع، بل وفي أحيان كثيرة تضر بمصالح الأمن القومي المصري حينما تستثمرها بعض الفرق المشبوهة في النفاذ لقلب المجتمع المصري.

عبدالرحمن أبوعوف

موقع الصوفية ( القاهرة )



 


عدد الزوار
  • عدد الزوار
    مواقع صديقة