الحرب على الإسلام 3

                        في تركيا

           انقلاب كنعان أوفرين 1980

كان قائد الإنقلاب طاغية إسمه  "كنعان ايفرين" وقد قام بذلك الإنقلاب العسكري مع زمرة من أعوانه العلمانيين الأتاتوركيين من الضباط، الذين نشأوا على فكرة كراهية الإسلام والتمسك بمبادئ سيدهم الطاغية "اتاتورك"، وتوسعوا في الفكر الكمالي، فقالوا بأن سبب تدهور الامبراطورية العثمانية واندحارها عسكرياً، كان لارتباطها بالأقطار العربية والإسلامية، بينما كان دافعهم الحقيقي هو تخوفهم من الصعود الملحوظ للتيار الإسلامي في الانتخابات التركية.

وتفاصيل الإنقلاب ( المشابه للإنقلاب على أردوغان غير الناجح فيما بعد) حدث بعد  أن قام الطاغية كنعان إيفرين مع مجموعة من الضباط الذين نشأوا على فكرة حماية المبادئ الأساسية لتركيا كما وضعها كبيرهم الذي علمهم السحر الطاغية اتاتورك.

 ولذلك ،وفي الساعة الواحدة بعد ظهر يوم 12 سبتمبر 1980م، اذيع البيان العسكري الأول في الاذاعة والتلفزيون، وقرأه المجرم "كنعان ايفرين" وبرر فيه اسباب الإنقلاب وطبيعته واهدافه، معتبرا أن الأزمة التي عاشتها البلاد تهدد بقاء الدولة والشعب، ودعا إلى التمسك بمبادئ أتاتورك وانه يشن نضالاً ضد ما سماه بالفوضى والإرهاب؛ الشيوعيين والفاشيين والمتدينين مستبدلاً محاربة الدين بعبارة العقائد الدينية «المتزمتة». حتى لايثير الشعب التركي المسلم ضده ، واختتم البيان بزعمه أن القوات المسلحة اضطرت لانــتزاع الـسلطة بهــدف حماية وحدة البلد والامة وحقوق الشعب وحرياته، وضمان امن الناس وحياتهم وممتلكاتهم وسعادتهم ورخائهم، ولضمان تطبيق القانون والنظام – واستعادة سيادة الدولة بشكل نزيه.وهو يقصد بتعبير اخر- استعادة الحكم الدكتاتوري العلماني.

كان الانقلاب مدعوما من الولايات المتحدة الأمريكية، التي فقدت حليفها الرئيسي في المنطقة شاه إيران بعد ضحك عليها  الدجال الخميني  عام 1979،والذي وصل إلى الحكم بدعم أمريكي أوربي ، ، فبينما كان الرئيس الأميركي "جيمي كارتر" متواجدا في حفل موسيقي حينما وصله اتصال من ضابط بوكالة الاستخبارات الأميركية يقول: «"لقد فَعلَها غلماننا في تركيا"!!»، واعترف مدير مكتب "السي آي أي" في أنقرة آنذاك "بول هنزي" بأن وكالته كانت تقف وراء الإنقلاب. وبعد ذلك خرج البيان الثاني للإنقلابيين،

بينما تلقت تركيا مبالغ كبيرة من المساعدات الاقتصادية، من قبل منظمة التعاون والتنمية، والمساعدات العسكرية من حلف شمال الأطلسي لإنجاح ذلك الإنقلاب.

وقام الإنقلابيون بحل حكومة "سليمان ديميريل" والمجلس الوطني التركي الكبير، ورفع الحصانة البرلمانية عن اعضائه،وجاء البيان الثالث متضمناً اعتقال زعماء الاحزاب السياسية، "بولنت أجاويد"، "وسليمان ديميريل"، "ونجم الدين أربكان"، "وألب أرسلان توركيش"، إضافة إلى عدد من البرلمانيين والزعماء النقابيين.  

وتم تشكيل «مجلس الأمن القومي» (NSC) من قبل "كنعان ايفرين" وقادة الانقلاب العسكري الأربعة. وهو الهيئة التي حكمت تركيا لحين اجراء الإنتخابات العامة في تشرين الثاني 1983، إذ تولى قادة المناطق العسكرية مهام الحكام المدنيين فـي 67 مقاطعة تركية.

             "تشكيل حكومة "بعد الإنقلاب":

وفي تشرين الاول 1980 تشكلت حكومة جديدة برئاسة الادميرال المتقاعد "بولند اولصو" اوصلت البلاد الى انتخابات تشرين الاول ،1983 وقد اشترك في هذه الحكومة بعض اعضاء حكومتي الإنقلابين العسكريين لسنتي 1960 و 1971 كما احتل فيها التكنوقراطيون واساتذة الجامعات بعض الوزرات، واصبح فيها "توركت اوزال"  نائبا لرئيس الوزراء ومسؤولاً عن الشؤون الإقتصادية.

وعين مجلس الامن القومي لجنة استشارية برئاسة "سعدي ايرماك" في تشرين الاول 1981، للعمل على اعادة الديمقراطية الى البلاد والمشاركة في صياغة دستور جديد يتاسب العسكر ويحل محل دستور 1960 الذي عده الانقلابيون مصدرا للمشكلات السياسية الحديثة، التي كانت تعاني منها تركيا .

وفي اب 1982 طرح مشروع دستور ينص على تركيز السلطة في ايدي رئيس الجمهورية بشكل لم يسبق له مثيل، وهو ما ضمن  استمرار حكم العسكريين حتى سنة 1989 بنهاية الفترة الرئاسية المقررة بسبع سنوات بموجب الدستور . أي أن فكرة تركيز السلطة بيد الرئيس لم تأت من الإسلاميين ( حزب العدالة)ولكن من الجيش .وفي تشرين الاول 1982 جرى الاستفتاء على مسودة الدستور المقترح وانتخب "كنعان افرين" رئيسا للجمهورية .

                       نتائج الانقلاب:

مما يدل على ترتيب الجيش للوضع الفوضوي حتى يبرر انقلابه هو توقف العنف بين الخصوم السياسيين فجأة بعد الانقلاب،مما تم تفسيره على أن الجيش كان وراء الفتنة السياسية والاجتماعية أواخر السبعينات، ما جعل الناس ترحب بالانقلاب بعد توقف العنف، وأن ترحب بتعيين "كنعان أوفرين"، الذي كان في تلك الفترة رئيساً لهيئة أركان القوات المسلحة التركية، رئيسا للجمهورية ولم يغادر مهامه على رأس الدولة التركية إلا سنة 1989.

ونظراً لإدراك قادة الجيش مدى فساد حكمهم العلماني ومدى كراهية الشعب التركي لهم قاموا بحماية أنفسهم ضد من يفكر بمقاضاتهم فوفروا لأنفسهم منذ انقلاب 1980 حماية قانونية بتحصين أنفسهم بحصانة تمتعوا بها ولم ترفع إلا في عام 2010، أثناء تعديل دستوري أجرته الحكومة برئاسة حزب العدالة والتنمية. وأثناء تلك الفترة التي حكموا بها روجوا دعايات نفخوا بها بذاتهم وصوروا للناس أنهم المنقذ الوحيد لهم.

ولكن هل هذه الأكاذيب والدعايات المضلله التي قام بها كنعان وزمرته صحيحة ؟

كلا وألف كلا ..فقد شهدت ألأحداث بأن انقلاب عام 1980 الذي نفذه كنعان وزمرته كان الأكثر دموية. وفي الأسابيع والأشهر التي تلته، تمت تصفية نحو خمسين شخصاً واعتقل 600 ألف آخرون، ومات العشرات من المعتقلين تحت التعذيب، واعتبر عدد كبير آخر في عداد المفقودين. وتمت محاكمة الآلاف، ووقعت 299 حالة وفاة بسبب التعذيب، و30 ألفا آخرون فضلوا المنفى، واختفى كثيرون آخرون ، وكان ثالث انقلاب تشهده تركيا خلال 20 عاما (بعد انقلاب 1960 وانقلاب1971). . وانتحر 43 شخصًا وقُتلَ 16أثناء هروبهم،  ناهيك عن إقالة 3654 مدرسا و 47 قاضيًا و120 أستاذًا جامعيا، ورصدت الأجهزة الأمنية التابعة للانقلاب مليون ونصف مواطنٍ تركي وقيدتهم في سجلات الأمن كمطلوبين أمنيًا وخطر على الأمن القومي التركي، وفر 30 ألف شخص من المعارضين والمفكرين وطلبوا حق اللجوء السياسي خارج تركيا.

وقد قال "كنعان أفرين" متهكماً ومبرراً إجرامه ،في كلمة سنة 1984 في اشارة لمن أعدموا بعد الانقلاب: "هل كان علينا أن نطعمهم في السجن لسنوات بدلا من أن نشنقهم؟".

ورغم هذه الحصيلة، ورغم الأعمال الإجرامية التي قام بها العسكريون من منفذي الإنقلاب،إلا أن الأتراك المرعوبين من بطش العسكر قبلوا بالأمر الواقع بعد أن دب الرعب في قلوبهم وبعد أن اعتقد بعضهم بأن هؤلاء المجرمين العسكر بقيادة إيفرين ،سيرتقون بالبلاد بعد أن يشفوا غليلهم من المتمسكين بدينهم ومن الذين يعارضونهم ، وأنهم سيخففون من قبضتهم على رقاب الشعب وسيسعون لعيشه الكريم ،وذلك بعد أن أنهكهم عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي لسنوات عدة بين الشيوعيين والقوميين وغيرهم من الفئات الطامعة في تفتيت تركيا كالأكراد والعلويين والشيعة وغيرهم، ولذلك وافق الشعب في بداية الأمر بكثافة في 1982 على الدستور الجديد، حتى وإن كان ذا طابع تسلطي والذي ظل معمولا به رغم بعض التعديلات مع تلمس بوادر الحرية .

و شكل هذا الإنقلاب ملامح البلاد لثلاثة عقود، واعتبر هذا الانقلاب الأكثر دموية. فتم حل البرلمان والأحزاب السياسية وتولى كنعان إيفيرين رئاسة مجلس الأمن القومي التركي وتولى مهمة تسيير شئون البلاد إلى حين إجراء انتخابات رئاسية، والتي أسفرت عن انتخابه رئيسًا في نوفمبر 1982بنسبة "90% " من الأصوات، ثم قام بعرض دستور جديد على استفتاء قام فيه بتحصين نفسه وجنرالات الانقلاب من المحاكمة في المادة 15، وعزز الدستور من دور الجيش في الحياة المدنية بذريعة حماية الجمهورية والعلمانية في المادتين 35و 85 من الدستور التركي.وهي المواد التي قوت من قبضة الإستبداد العسكري ،وهي مواد  تمكن حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه رجب طيب أردوغان  بعد مرور 30 عامًا على الانقلاب من تعديل عشرات المواد من ذلك الدستور، بما فيها حصانة العسكر،وهو الأمر الذي سمح للمحاكم بمتابعة الانقلابيين واصدار الحكم المؤبد في حقهم.

                        عهد تور غوت  أوزال

وفي انتخابات عام 1983، فاز حزب الوطن الأم بزعامة تورغوط أوزال، بأغلبية مكنته من رئاسة الحكومة، ثم رئاسة الجمهورية فيما بعد.
كان أوزال أول رئيس مدني يتولى منصب رئيس الجمهوية، وفي عهده أظهر تعاطفًا مع النشاطات الإسلامية، فضم في قياداته إسلاميين، وتوسعت في عهده المدارس الإسلامية، وقد عُرف بميوله الصوفية، إلا أنه لم ينفِ التزامه بالعلمانية الغربية، ولم يتصادم مع الجيش، فقضي عهدين في الحكومة ورئيس الجمهورية كنعان أوفرين، حتى وصل إلى رئاسة الجمهورية.

وفي عام 1991، فاز حزب الطريق القويم بزعامة سليمان ديميريل بأغلبية مقاعد البرلمان، وحصل حزب الوطن الأم بالمركز الثاني، ثم حزب الشعب الديمقراطي الاشتركي، ثم حزب الرفاه الإسلامي بزعامة نجم الدين أربكان، وتشكلت حكومة ائتلافية برئاسة سليمان ديميرل مع حزب الشعب الديمقراطي الاشتراكي. وفي عام 1993، توفي تورغوت أوزال ليخلفه سليمان ديميريل رئيسًا للجمهورية.

سليمان ديميريل وحكومة نجم الدين أربكان وانقلاب آخر

في انتخابات 1995، حصل حزب الرفاه بزعامة نجم الدين أربكان على أغلبية المقاعد، وشكل حكومة ائتلافية مع حزب الطريق القويم، لتشهد تركيا انقلابًا جديدًا من القيادات العسكرية.

وفي عام 1997، أصدرت القيادات العسكرية المعادية للإسلام مجموعة من القرارات طلبت من الحكومة فيها سدّ الطرق أمام الحركات والتيارات الإسلامية ، وهو ما أدى لسقوط حكومة أربكان وحل حزب الرفاه ثم حزب الفضيلة، وحظر الممارسة السياسية على أربكان وبعض الأعضاء البارزين في الحزب، وتم إعلان حالة الطوارئ، وإغلاق عدد كبير من مدارس تعليم القرآن، ومنعت المحجبات من دخول الجامعات.

                             يتبع

المنظمة العالمية للدفاع عن أهل السنة

 


عدد الزوار
  • عدد الزوار
    مواقع صديقة