الحرب على الإسلام 2

                           في تركيا

حكومة عدنان مندريس .. وانقلاب 1960م:
في عهد الشهيد مندريس حرك العلمانيون أتباعهم فشهدت تركيا احتجاجات داخل الجيش وطلاب الجامعات تندد بحكومة مندريس وسياساته، واستمرت المظاهرات فتهيأ الأمر القوات المسلحة التي وضعت يدها على الحكم برئاسة الجنرال جمال جورسل، لتشهد تركيا أول انقلاب عسكري عام 1960م، ولم يكن الأخير. وقامت القيادة العسكرية الانقلابية برئاسة جمال جورسل بإخراج دستور يحمي وجودها في الحكم، وطرحته في استفتاء عام 1961م، ووافق الشعب عليه في ظل حكم قمع عسكري .

تم إجراء انتخابات تشريعية عامة عام 1961، شكّل فيها حزب الشعب الجمهوري حكومة ائتلافية برئاسة عصمت إينونو. وقامت القيادات العسكرية بإلقاء القبض على رئيس الوزراء عدنان مندريس ورئيس الجمهورية جلال بيار، وبدأت في مطاردة أتباع الحزب الديمقراطي، وحكم على بيار بالسجن مدى الحياة، وبالإعدام على مندريس ووزير خارجيته فطين رشدي ورلو ووزير ماليته حسن بولاتقان بتهمة قلب النظام العلماني وتأسيس دولة دينية، وفي سبتمبر عام 1960م، قامت الطغمة العسكرية المجرمة بإُعدام  البطل الشهيد رئيس الوزراء عدنان مندريس.

القيادة العسكرية وحكومة سليمان ديميريل

وفي انتخابات 1966، حصل حزب العدالة، والذي يعتبر امتدادًا للحزب الديمقراطي على أغلبية مقاعد البرلمان بزعامة سليمان ديميريل.
بعد أن تولى ديميريل رئاسة الحكومة.

وشهدت البلاد فوضى كبيرة من الحركات الشيوعية وقتالها مع القوميين، بلغت أقصاها عام 1970م،بينما كان الجيش سعيداً بذلك بل ساهم في تأجيج تلك الإضطرابات حتى يرحب الشعب بأي تدخل منه .

 وفعلاً ،وبعد عام من الاحتجاجات أعلن قادة عسكريون أن تدهور الأوضاع في البلاد يجبرهم على وضع قبضتهم على السلطة، فقام ديميريل بتقديم استقالته، ليقوم الجيش فيما بعد بتشكيل حكومة انتقالية.

وتوفي مصطفى عصمت إينونو يوم 25 ديسمبر/كانون الثاني عام 1973 ودفن مقابل ضريح سلفه الهالك أتاتورك في أني تكبير في أنقرة وبني صرح كبير على قبره.

وكما نعلم فإن الشعب التركي عايش منذ بداية انقلاب أتاتورك تجربة سيطرة الجيش التركي سيطرة فعلية على الحياة السياسية في تركيا إضافة إلى ثلاثة انقلابات عسكرية،وهي انقلابات إينونو وكنعان من بعده ثم ضد أردوغان، وتسبب الجيش من خلالها في استقالة حكومة "نجم الدين أربكان" ذات الخلفية الإسلامية سنة 1997،كما سيرد لاحقاً . وقد أدت القبضة العسكرية الإنتهازية إلى تدهور الأوضاع في تركيا .

 

             الوضع الاقتصادي وانقلاب 1980:

حولت الدكتاتورية العسكرية بقبضتها  العسكرية قادة الجيش من أمناء على الدولة إلى  إقطاعيين وأصحاب نفوذ مالي وتجاري وعسكري  ـ كما هو حاصل في كل الأنظمة العسكرية الحاكمة أو الديموقراطيات الفوضية المتخلفة ،في كل أنحاء العالم المعتمدة على الكم لا الكيف ـ وهذا النظام العسكري البعيد عن التخطيط السليم ،سبب لتركيا خلال السبعينات، أزمة اقتصادية حادة، تعود جذورها إلى الخمسينات، ما لبثت أن تحولت إلى معضلة حقيقية امام الحكومات التركية طيلة السبعينات، فشهدت تركيا في ستينات القرن العشرين معدلات نمو في عدد السكان بنسبة 2.3% سنوياً، انعكس بدوره على الوضع الاجتماعي ، فنصف مليون شاب تركي يضافون إلى سوق العمل سنوياً ، مما زاد بمستوى نسبة البطالة 1-5% ، الذي ادى بدوره إلى زيادة الهجرة من الريف إلى المدينة لا سيما مدينتي اسطنبول وانقرة، اللتان شهدتا ارتفاعاً كبيراً في عدد السكان 6-7 % سنوياً، وكانت لهذه الهجرة القروية انعكاساتها الخطيرة على الوضع الاقتصادي، خصوصا بعد ارتفاع نسبة استعمال الآلات والمكننة الحديثة في الفلاحة، فانتشرت الاحياء السكنية الفقيرة حول المدن والتي شهدت الكثير من حوادث العنف في السبعينات.

ومن أسباب تضرر الاقتصاد ارتفاع التضخم ليصل سنة 1976 إلى 20% ثم 40% عام 1977 ثم 60% عام 1978. ووصلت نسبة التضخم في فبراير 1980 إلى 137% في حين اخذ مستوى المعيشة يقل تدريجياً. وارتفعت نسبة البطالة خلال السبعينات؛ إذ بلغ عدد العاطلين عن العمل حتى عام 1977 أكثر من مليوني عاطل ليرتفع إلى 3 ملايين عاطل في العامين التاليين، ووصل عدد العاطلين عشية إنقلاب 1980(3.634.000 ) عاطل عن العمل. واثقلت الديون الخارجية كاهل الاقتصاد التركي فوصلت عام 1970 إلى 2,2 بليون دولار أمريكي، وارتفعت إلى 12.5 بليون دولار أمريكي في نهاية 1977 ، وفي عام 1979 وصل إلى اكثر من 15 بليون دولار أمريكي. ومن الاسباب الخارجية ازمة النفط سنة 1973، والتي اضرت بالاقتصاد التركي، فضلا عن ايقاف استقبال العمال الاتراك في دول أوروبا الغربية.

          الوضع السياسي قبل الإنقلاب

وتميزت السبعينات بالصراعات المسلحة بين اليمين واليسار، كحروب بالوكالة بين الولايات المتحدة والإتحاد السوفياتي. ، فاستغل عسكر تركيا ذلك لخلق ذريعة تسمح لهم بالتدخل الحاسم وقاموا  بتصعيد الصراعات وتأجيجها مستغلين تدهور الوضع الأمني حيث انتشرت ظاهرة العنف السياسي، وبلغت أرقام هذه الأحداث في السنتين الأخيرتين قبل انقلاب عام 1980 ذروتها، حيث بلغت 4040 قتيل بين 1978 – 1980. ويرجع سبب ذلك إلى تعدد القوى والحركات السياسية المتخاصمة والمتناقضة في ما بينها، والتي كانت ترغب بالسيطرة على الدولة والمجتمع وتسييرها وفق مبادئ واهداف كل منها، ومما زاد في تفاقم العنف تعدد القوميات والأقليات والأديان.

وكان للنقابات العمالية دور في نشر الدعايات السياسية والإقتصادية في المصانع واقامة المظاهرات والمسيرات الإحتجاجية التي كانت تحمل طابع التحدي والعصيان مما اوقف المصانع عن العمل، ما أدى إلى انخفاض الإنتاج وشحة البضائع في الاسواق وارتفاع الأسعار. وظهرت الحركات الطلابية التي تنوعت جمعياتهم وازدادت نشاطاتهم السياسية، فتحولت الجامعات إلى مسرح للجدل والتصادم بالسلاح بين الطلبة.

وظهرت الجمعيات السرية والإرهابية ذات التوجه اليميني واليساري، بلغ عددها مطلع السبعينات نحو اربعين جمعية، مدعومة فكرياً ومادياً من الخارج، وقامت بنشر الرعب والخطف والقتل وسلب البنوك وقطع الطرق، والهجوم على مؤسسات الدولة، ومقرات الأحزاب والجمعيات والصحف، والمقاهي والفنادق والمطاعم السياحية.

ومن الصراعات المذهبية التي حدثت، أحداث 1978 عندما تقاتل السنة الذين يشكلون 80% من الأتراك وبين الأقلية الشيعية المصابة بداء المظلومية في قهرمان مرعش في جنوب شرق تركيا ، فقابل ذلك حزب الحركة القومية ، فكان لذلك دور كبير في تصعيد أحداث العنف السياسي في هذه المدينة، فكانت حصيلة العنف مقتل 111 شخصاً وجرح أكثر من ألف شخص، ما دعا الحكومة إلى إعلان الأحكام العرفية في ثلاث عشرة ولاية وإقالة وزير الداخلية "عرفان اوزاي دنبلي" من منصبه، فازداد عدد القتلى سنة 1979 في جل البلاد ليصل معدله 20 قتيلاً في اليوم.

وازدادت ظاهرة الاغتيالات السياسية لتشمل مسؤولين سياسيين كبار، فاغتيل رئيس الوزراء السابق نهاد ايريم، على ايدي منظمة "ديف سول" اليسارية المتطرفة، انتقاماً لإقدامه على حل التنظيمات النقابية والطلابية، وانتقاماً كذلك من الأكراد بعد إعلان الأحكام العرفية لمواجهة التمرد الكردي شرقي البلاد.

من ناحية أخرى ظهر سنة 1972م حزب اسمه حزب "السلامة الوطني" بزعامة نجم الدين أربكان، وكان أول حزب ذو ميول إسلامية في تركيا العلمانية، منذ سقوط الخلافة العثمانية. وحقق نجاحًا كبيرًا في انتخابات سنة 1973م وحصل على ثالث أعلى نسبة أصوات في المجلس النيابي، واشترك الحزب في حكومة ائتلافية مع حزب الشعب الجمهوري،

بزعامة بولنت أجاويد على أغلبية الأصوات، وتشكلت حكومة ائتلافية برئاسة أجاويد بين حزب الشعب الجمهوري وحزب السلامة الوطني الذي أسسه نجم الدين أربكان،.

وأصبح نجم الدين أربكان نائبًا لرئيس الوزراء، وزادت شعبية "حزب السلامة" وارتفعت مكانته خاصة بعد الغزو التركي لقبرص، وترجمت هذه الشعبية في انتخابات سنة 1975م؛ إذ حصل الحزب على ثاني أعلى نسبة أصوات في المجلس النيابي.

ولكن في انتخابات 1977 حصل أجاويد على أغلبية الأصوات أيضًا ولكنه لم يتحالف مع أربكان،  وفي نفس الوقت لم يتمكن من التفرد بالحكم، فشكل حكومة ائتلافية مع سليمان ديميريل

وفي هذه الفترة برز أيضًا على الساحة التركية حزب الحركة الملية بزعامة "ألب أرسلان توكيس" وهو حزب قومي عنصري، وكان يتمتع بمليشيا عسكرية تدعمه، وحقق نجاحًا ملحوظًا في الانتخابات.

وفي هذه الفترة كانت الولايات المتحدة الأمريكية صاحبة النفوذ الأول في تركيا تراقب هذه النشاطات الجديدة، خاصة مع التقارب الحادث بين حزب السلامة الوطني وحزب الحركة الملية، ومع زيادة شعبية الاتجاه الإسلامي بدأت المخاوف تتحول إلى هواجس وشيكة الحدوث، لذلك رأت أمريكا أن توقف هذا النشاط الإسلامي المتنامي بانقلاب عسكري يلغي -ولو مؤقتًا- شعار الحرية الذي تقدمت هذه الأحزاب من خلاله. خاصة حينما قام مجوس التشيع في إيران بالإستيلاء على الحكم وطرد الشاه بعد أن خدعوا الشعب بشعارات إسلامية براقة ، عام 1979 ؛ثم محاولة مجوس التشيع الخميني  بتصدير ثورتهم إلى الدول الأخرى ،ومنها تركيا .

وكما قلنا فإن  شعبية أربكان وحزبه ذو التوجه الإسلامي بدأت تزداد شيئاً فشيئاً ،ولكن  هذه الشعبية أغاظت العسكر وجعلتهم يتحركون ويتآمرون ، خاصة بعد قيام مظاهرة كبيرة قادها "نجم الدين اربكان" في 6 أيلول 1980 في المركز الاسلامي في مدينة قونية جنوب انقرة، إذ بلغ عدد المتظاهرين قرابة (50) الفاً، اعلنوا فيها عن عدم الإيمان بمبادئ اتاتورك والجيش التركي، ورددوا الشعارات الاسلامية؛ وطالبوا بتطبيق الشريعة الاسلامية، ومنعوا عزف السلام الوطني كدليل على عدم تأييدهم للنظام الجمهوري القائم والدستور.

وكان الإحتجاج قد نظم اعتراضاً على القانون الصهيوني الخاص بتهويد القدس، وقد دعا "اربكان" تركيا بقطع علاقتها مع الكيان الصهيوني، ومناشداً المسلمين جميعهم "لتحرير القدس"، واعلن بدء النضال من اجل وضع حد" للذهنية الغربية المزيفة "، التي تحكم تركيا، وقد انتهى الاحتفال بحرق اعلام كل من الكيان الصهيــوني وامريــكا والاتـحاد السوفيتي، وهذا جعل المؤسسة العسكرية تعتقد ان بوادر ثورة اسلامية في تركيا على وشك الوقوع، على غرار ما جرى في ايران. خاصة ان "نجــم الديـن اربكان" لم يكن يعلم ولم يكن أهل السنة ـ بشكل عام ـ يعلمون بنوايا ثورة مجوس التشيع المجوسي الخميني التي تبين فيما بعد بأنها ثورة مجوسية شوفينية رفعت شعار الإسلام لتحارب الإسلام ، فقام أربكان بزيارة ايران بعد الثورة بحسن نية ، فأخذها الجيش عليه حجة وكمأخذ يتحركون من خلاله ضد الإسلام  .

وهنا رأى الضباط الأتراك أن الوقت قد حان للتدخل والإستيلاء على الحكم ، فقرروا تقديم رسالة إلى الأحزاب جميعهاً عن طريق رئيس الجمهورية. وقد ساعدهم عدم الإستقرار السائد في البلاد بعد فشل حزب الشعب الجمهوري في الانتخابات،مما يعني بزوغ نجم الإسلاميين مرة أخرى ،فلجأ الجيش التركي قبل الإنقلاب إلى سياسة تأجيج النزاع، لتصعيد التوثر وخلق جوا ملائما لظهور العنف السياسي بين اليساريين واليمينيين، الذين خاضوا حربا بالوكالة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي.

 

وهكذا فقدت الحكومة الائتلافية سيطرتها على الأحداث، لتقوم القوات المسلحة بانقلاب جديد عام 1980، ولتعلن تسلمها قيادة البلاد برئاسة الطاغية كنعان أيفرين، وإعلان حالة الطواريء وحل الحكومة والأحزاب السياسية، والقبض على كافة زعماء الأحزاب والنواب.

                             يتبع

 المنظمة العالمية للدفاع عن أهل السنة

 


عدد الزوار
  • عدد الزوار
    مواقع صديقة